ابن عطية الأندلسي

155

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال الحسن وقتادة : « المسكنة الخراج أي الجزية » . وقال أبو العالية : « المسكنة الفاقة والحاجة » . وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ معناه : مروا متحملين له ، تقول : بؤت بكذا إذا تحملته ، ومنه قول مهلهل ليحيى بن الحارث بن عباد : « بؤ بشسع نعل كليب » . والغضب بمعنى الإرادة صفة ذات ، وبمعنى إظهاره على العبد بالمعاقبة صفة فعل ، والإشارة بذلك إلى ضرب الذلة وما بعده ، والباء في بِأَنَّهُمْ باء السبب . وقال المهدوي : « إن الباء بمعنى اللام » والمعنى : لأنهم ، والآيات هنا تحتمل أن يراد بها التسع وغيرها مما يخرق العادة ، وهو علامة لصدق الآية به ، ويحتمل أن يراد آيات التوراة التي هي كآيات القرآن . وقرأ الحسن بن أبي الحسن : « وتقتلون » بالتاء على الرجوع إلى خطابهم ، وروي عنه أيضا بالياء . وقرأ نافع : بهمز « النبيئين » ، وكذلك حيث وقع في القرآن ، إلا في موضعين : في سورة الأحزاب : إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ [ الأحزاب : 50 ] بلا مد ولا همز ، و لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا [ الأحزاب : 53 ] ، وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد ، وترك الهمز في جميع ذلك الباقون ، فأما من همز فهو عنده من « أنبأ » إذا أخبر ، واسم فاعله منبئ فقيل نبيء ، بمعنى منبئ ، كما قيل : سميع بمعنى مسمع ، واستدلوا بما جاء من جمعه على نباء . قال الشاعر : [ الطويل ] يا خاتم النباء إنك مرسل * بالحقّ كلّ هدى الإله هداكا فهذا كما يجمع فعيل في الصحيح « كظريف » وظرفاء وشبهه . قال أبو علي : « زعم سيبويه أنهم يقولون في تحقير النبوة : كان مسيلمة نبوته نبيئة سوء ، وكلهم يقولون تنبأ مسيلمة ، فاتفاقهم على ذلك دليل على أن اللام همزة » ، واختلف القائلون بترك الهمز في نبيء ، فمنهم من اشتق النبي من همز ثم سهل الهمز ، ومنهم من قال : هو مشتق من نبا ينبوا إذا ظهر ، فالنبي الطريق الظاهر ، وكان النبي من عند اللّه طريق الهدى والنجاة ، وقال الشاعر : [ البسيط ] . لما وردنا نبيا واستتبّ بنا * مسحنفر كخطوط السيح منسحل واستدلوا بأن الأغلب في جمع أنبياء كفعيل في المعتل ، نحو ولي وأولياء وصفي وأصفياء ، وحكى الزهراوي أنه يقال نبوء إذا ظهر فهو نبيء ، والطريق الظاهر نبيء بالهمز ، وروي أن رجلا قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : السلام عليك يا نبيء اللّه ، وهمز ، فقال له النبي عليه السلام : لست بنبيء اللّه ، وهمز ، ولكني نبيّ اللّه ، ولم يهمز . قال أبو علي : « ضعف سند هذا الحديث ، ومما يقوي ضعفه أنه صلى اللّه عليه وسلم ، قد أنشده المادح يا خاتم النباء ولم يؤثر في ذلك إنكار ، والجمع كالواحد » .